سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
68
رسائل في الفلسفة والعرفان
واردةالحقّ جواد : أي يعطي كلّ شَيْءٍ ما ينبغي له من حيث إنه ينبغي ؛ أي ينزّل المراتب منازلها ، ( أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقه ) [ 1 ] ، فلا يفيض في مرتبة ما تستحقّ أُخرى ، ولا يحجب عن مرتبة مالها في ذاتها ، وذلك على حسب ما تقتضيه مراتب التجلّي في عالم التنزّلات ، وهذا لا يخفى عليك من المباحث السابقة ، والقوم قد وقع النزاع بينهم في أنّ أفعاله تُعلّل بالأغراض أم لا ، وكلٌّ من الطائفتين أيّد مايدّعيه ، ولكن الجمهور على أنّها لا تعلل ، وإلّا لزم أن يكون للباري غرض لا يتمّ إلّابغيره ، فيحتاج إلى الغير في إتمام غرضه ، بل هو يفعل بدون غرض . فلمّا أُورد عليهم : أنه يلزم أن يكون عابثاً . أجابوا عن ذلك : بأنّه وإن لم يلاحظ الغرض وإن لم يكن له باعث على الفعل ، لكن جميع أفعاله لا تخلو عن الحِكَم والمصالح . والعجب لهم كيف دفعوا العبث بهذا ؟ ! مع أنّا نعلم أنّ من لعب برجله - مثلًا - بدون قصد شيء ، فترتّب على ذلك موت ثعبان مثلًا ، فهو عابث لا يقال له : أحسنت وفعلت صواباً . ومن غرائب الأتّفاقات ما وقع في بعض البلدان الشماليّة : أنه اجتمع خمسة سُرّاق في محلٍّ ليسرقوا منه ، فسمعوا صوت صبيٍّ داخل بيت في تلك الدار فأخرجوه ؛ خوفاً من أن يوقظ أهله صياحه ، فوضعوه في صحن الدار ، فصاح فاستيقظت أُمّه وأيقظت أباه ، وخرجا لأجل الولد ، ثمّ دخل السُّرّاق البيت ، فأخرجوا المتاع إلى الصحن - أيضاً - لياخذوه ، فلمّا دخلوا لأخذ ما بقي من المتاع
--> [ 1 ] طه : 50 .